الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

تأملات حاتمية (تويترية) :)


بعد صراع ما بين الفلسفات الروحية والمادية في الغرب, تغلبت الرؤية المادية على غيرها وتبنى الغرب منذ القرن التاسع عشر رؤيته للكون على إنه مادة وما دون المادة لا يؤخذ في الاعتبار.

واكتسحت الفلسفات المادية الغرب بتنويعاتها،من المادية الجدلية والتاريخية, والوضعية, والبراجماتية, والوجودية وغيرها.وكلها فلسفات  ترى كل ما في الكون مادة.

يروي الدكتور المسيري رحمه الله في سيرته الذاتية: رحلتي الفكرية (في البذور والجذور والثمر) أنه تحاور مع تشومسكي حول فكرة تفرد الإنسان في الكون على اعتبار أن تشومسكي مؤمن بها.

وناعوم تشومسكي يضع الإنسان في مرتبة مختلفة في الكون ويولي اهتماما خاصا للغة البشرية كميزة للإنسان عن بقية مخلوقات الكون إلا أنه -رغم ذلك- أسير نفس الرؤية المادية للبشر.

تشومسكي رفض رفضا قاطعا الاعتراف بثنائية الكون، وقال ما معناه: إنه لا يستسيغ فكرة إن الكون ليس مادة بكامله!!

إذن فحتى فلاسفة الغرب المعتدلين يستحيل أن يتخيلوا إلا أن الكون مادة. ولذلك فهم أبعد ما يكون عن روح الفلسفات الشرقية وعن روح الشرق ثنائي الوجود كفكرة وفهم ورؤية.

منظومة الحياة الغربية الحالية علمانية متشددة، أو كما يسميها المسيري (علمانية شاملة) فهي تفصل منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة بشقيها العام والخاص. وهي تحول العالم لمادة استعمالية يسخرها الأقوى لصالحه!

يتحدث الرافضون لوجود إله عن السبب الإنساني وهو أننا موجودون هنا لأننا لو لم نكن موجودين لما تساءلنا عن سر وجودنا.

وفي الحقيقة أن الموقف من الإله والرفض له يتمشى مع الرؤية العلمانية المتطرفة للإنسان وحياته. إذ أن العلمانية الشاملة تتحدث عن بشر من نمط واحد.

هو بشر يلبس الجينز ويأكل الهمبرجر ويكره القراءة ويحب السفر ولا يهتم بالتاريخ، هو بشر يخرج من نفس ماكينة تصنع أشباهه في كل بقاع الأرض!

يتحول إلإنسان في المنظومة العلمانية المتطرفة لمجرد رقم أو ترس في آلة أو مادة من مواد الكون كالشجر والحجر.لا خصوصية ولا تفرد،فهو من صنع الكون.

استغرب كثيرا عندما أجد شبابا شرقيا مؤمنا بإله وعنده يقين تام به ثم يأخذ من الغرب (المادي) كل أفكاره! ويأبى أن يعرض على عقله ما يأخذه من الغرب.

ومن المهم في أمر ثقافتنا أن نستوعب ونحتمي بثنائية الكون. فالوجود البشري مستقل بذاته عن بقية الكون، وما يحكم البشر قوانين خاصة تنبع من خصوصيتنا كبشر.