الاثنين، 7 أبريل، 2014

تلك العتمة الباهرة




لم يكن معتقل تزمامارت المغربي مجرد معتقل للذين شاركوا في انقلاب قصر الصخيرات البيض في صيف 1971، بل كان مقبرة للأحياء الذين شاركوا في المحاولة الفاشلة، سواء بإرادتهم الحرة أو أولئك الضباط وضباط الصف الذين أوقعهم حظهم العاثر في طريق الانقلاب وهو يعتقدون أنهم يشاركون في مناورة عسكرية بالذخيرة الحية أو الذين اوهمتهم قيادتهم أنهم ما جاءوا إلا ليدافعوا عن الملك ضد مؤامرة اغتياله. 

تلك الحفرة المسماة غلطا بالمعتقل ليست مقبرة بالمعنى المجازي للكلمة وإنما بالمعنى الحرفي لها. حفرة في باطن الأرض لا يرتفع سقفها لأكثر من متر ونصف ولا تسمح لساكنها بالوقوف منتصبا، تم تجهيزها خصيصا لكي لا يدخلها الضوء في أي وقت من ليل أو نهار، عتمة حالكة السواد إذا أخرج ساكنها يده لم يكد يراها، مجموعة من القبور مغلقة بانعزال على كل ساكن وحيد في إحداها، قارصة البرودة إلى درجة تجعلك لا تفكر مجرد النوم في ليالي الشتاء شديدة البرودة وإلا تجمد الدم في عروقك وأوردتك فمت من فورك. ليس فيها إلا فتحة تهوية في السقف صنعت خصيصا ليدخلها الهواء الكافي لعدم الاختناق، ولا يدخل منها النور أبدا. 

 هي إذن مقبرة للموت البطيء صنعها الملك السفاح الحسن، ملك المغرب الذي حكمها بالحق الإلهي على عينه. ليس لك من الطعام ليلا أو نهارا إلا كتلة خبز متكلسة لو أحسنت تصويبها لقتلت شخصا بها من شدة صلابتها، وبعض النشويات المعجونة المقززة الرائحة. ليس لك رعاية صحية أو عقاقير تتناولها إن وهنت قواك ومرضت، فلتمرض إذن ولتموت فهو مصير أفضل من بقاءك حيا ميتا لمدة ثمانية عشر عاما قضاها بعض الناجين من المقبرة لحظهم التعس. ثماني عشرة سنة من الجحيم المتصل بلا انقطاع، لا ترى الضوء إلا عندما يموت أحد زملائك في المقبرة فتخرج للصلاة عليه ودفنه..غير أن هذا الأمر ما لبث ان توقف بعد تكرار حالات الموت، فاكتفى الحراس بأوامر فوقية بأخذ الجثث وألقائها مطمورة بالجير الأبيض دون غسل أو صلاة. البعض مات من الجنون، والبعض مات بالغرغرينة حتى أكلت الصراصير والعتة جسده، والبعض مات بلدغات العقارب التي وضعت للمتعقلين في مرة لأنهم تجرأوا وأضربوا عن الطعام. ومن نجى منهم بعد ثمانية عشر عاما -وهم أقل القليل- صارت حياته جحيما من الأمراض والعلل.

 إنها رواية مأخوذة من شهادة أحدهم، تحكي تفاصيل واقع أليم تحياه يوميا شعوب حكمها الطغاة باتصال لم ينقطع، فمارسوا ساديتهم وجنون عظمتهم، وأحكموا خناقهم على الشعوب فأنت وتوجعت، ثم عندما تجرأت ورفضت وعلا صوتها؛ اتهمها أتباع الطغاة السفاحين بأنها عميلة للغرب تنفذ أجندته وتسعى لهدم استقرار الأوطان. هذه دعوة لقراءة رواية الطاهر بن جلون والاستمتاع بتفاصيلها المؤلمة الموجعة حد القهر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اكتب