الأحد، 16 فبراير، 2014

ماذا إذا كان الشعب لا يريد؟



من اللائق أن يقال: التغيير إرادة طليعة -كنت أود أن أقول نخبة, لكن المصطلح جرى ابتذاله فحمل مضامين سيئة في الذهنية المصرية- لكن هذه الإرادة لا تتجسد في الواقع العملي إلا إذا انحازت الأغلبية الكاسحة من الشعب لها.

 فالطليعة الواعية بضرورة التغيير واعية أيضا أن رسالة التغيير التي تحملها ليست في الفراغ, ولا قيمة لها دون إدراك الشعب واستيعابه ومشاركته فيها. فهي رسالة في جوهرها للشعب كل الشعب. كما وأنها لا تترجم إلا بوسائل, قد يكون إحداها الإصلاح  -إن كان مرجو الأثر-  أو هي الثورة إذن بغرض الهدم وإعادة البناء على أسس سليمة.

الثورة هنا ليست مقصدا في ذاته, وإنما وسيلة هدفها النهائي الشعب. لذا يجب ألا تسقط الطليعة في عدمية اعتبار الثورة هدفا يُسعى له. ولا في عدمية هتافات كمثل "سنحرركم غصبا عنكم"!
ففضلا عن سذاجة تصور إمكانية تحقق التحرر دون مشاركة واسعة للجماهير -وهي مشاركة برضاها وقبولها بداهة- فإن فكرة التحرر ذاتها مناقضة لفكرة الغصب..تنتفي إحداهما بوجود الأخرى.

الثوار في كل أمة إذن هم طليعتها, وبالضرورة قلة, وبالضرورة القلة الأكثر وعيا. ذلك أن الشعوب تميل للاستقرار بطبيعتها, وتخشى الثورات, فهي مرادفة لانعدام الأمن وغياب الأمان الذي يطول أمده في وعيها الجمعي.
 والطليعة الثورية تدرك ذلك -أو يجب أن تدركه- وتدرك معه أعداء الثورة الحقيقيين الذين يدفعون لاستمرار مثل هذا التصور في الوعي, وهي لذلك لا يجوز لها التصالح مع هؤلاء الأعداء, حتى وإن أبدوا استعدادهم لقبول الثورة  وأذعنوا لمنطق التغيير؛ فطبيعة انحيازات الطليعة الثورية, وحتمية استحواذها على عقل وقلب الجماهير تقتضى ألا تهاون مع أعداء الثورة, وإلا أقنعوا هم -بانحيازاتهم المغايرة- الجماهير فأكلت الطليعة الثورية وهضمتها, من حيث لا تدري أنها تأكل نفسها ومصالحها معها.

الثورة هنالك كالبذرة -إن جاز التعبير- لا تنبت إلا في أرض صالحة لها أولا, لكن البذرة كي تنمو محتاجة للماء لريها, و
للسماد لإخصابها, والأهم أنها تحتاج إلى التخلص من الحشائش الضارة التي تتغذى عليها؛ بهدف إهلاكها.
ومن نافلة القول هنا أن تعبيرات مثل "ثورات الربيع العربي صنيعة أمريكية" متهافتة أيما تهافت, لأن الثورة التي هي بذرة لا تنبت في غير تربة مهيأة لاستقبالها.

من الأهمية بمكان أيضا ألا تقع الطليعة الثورية في خطأ الخلط بين ضرورة التغيير وحتمية حدوثه؛ فقد يكون التغيير ضرورة ملحة, لكن حتميته مؤجلة في الضمير الجمعي, ربما بسبب ارتفاع كلفته أو ضبابية نتائجه. وعلى الطليعة الثورية أن تقنع الشعب أولا أن ضرورة التغيير حتمية آنية لا تحتمل التأجيل, وأن كلفة الانتظار أفدح وأن النتائج ظاهرة جلية.

وفي الحقيقة ذلك هو جوهر الصراع الدائم بين الثورة وطليعتها من جهة, وبين الثورة المضادة وأعوانها من جهة أخرى على عقل الجماهير وقلبها؛ الثورة تحاول تبيان خطأ الانتظار, والثورة المضادة تدفع باتجاه رفع كلفة التغيير ليصبح في الوعي بندا مضافا -لا خصما- من رصيد المعاناة التي يتجرعها الشعب إن بقيت الأوضاع كما هي, وتكون أرصدة انعدام الأمن وغياب الاستقرار هي المعين الذي لا ينضب في يد الثورة المضادة, سيما إذا غابت بشائر التغيير وانعدمت مصالحه المباشرة وتحولت أرصدته إلى صورة ضبابية لا تثبت في عقل الجماهير.


هنا يجب على الطليعة الثورية أن تقف وقفتها التعبوية, فتراجع تصوراتها وقدراتها, وتغير من طرائقها في التعاطي مع الجماهير. يجب ألا تقع الطليعة أبدا في خطأ أن تحل في الثورة أو أن تحل الثورة فيها فتتحول إلى أوليجاركية ثورية -إن جاز التعبير- فالثورة ملك لكل من شارك فيها أولا, فضلا عن أنها من أجل الشعب, وهو غايتها.

على الطليعة وقتئذ أن تبحث عن أدوات جديدة, حين تزداد خسائرها في معارك الحركة, وحين تصبح معركة الإرداة مشكوك فيها, وليس لها إذا أرادت الاستمرار إلا أن تغير من وسائلها, فتتأخر الثورة كفعل على الأرض وفي الميادين وتحل محلها معارك الأفكار في عقل الجماهير, ومعارك الضمير في وجدانه.
هو تغيير في الأولويات حتما, إن لم يحدث فالتيه في انتظار الطليعة الثورية, وهي نفسها من ستحفر قبرها بيديها؛ تاركة للشعب مهمة أن يهيل التراب عليها دون حتى أن يكلف نفسه عناء الترحم وقراءة الفاتحة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اكتب