الأربعاء، 5 فبراير، 2014

في الفصل بين 30 يونيو و3 يوليو



يحلو لجماعة الإخوان المسلمين وأنصارها الدمج التام بين لحظتي 30 يونيو و3 يوليو. ربما ذرا للرماد في الأعين عن حقيقة أن الفشل في إدارة الدولة والثورة معا - بصرف النظر عن مسبباته ودوافعه - كان السبب الرئيس الذي أخرج العدد الأكبر من المصريين منذ لحظة 25 يناير وحتى الساعة إلى الشوارع ضد الجماعة. وربما في محاولة للصق تهمة التآمر والانقلاب بكل من شارك في 30 يونيو حتى يتسنى للجماعة الهروب من استحقاق محاسبتها على أرضية الثورة بذريعة القول: نحن أخطأنا في حق الثورة وأنتم مثلنا أخطأتم في حقها, فلننس ما فات إذن ولنفتح صفحة جديدة عنوانها التوافق.

ولا تخلو جملة ينطقها مريد من مريدي الجماعة من كلمة انقلاب 30 يونيو. ما يستدعي تفكيك اللحظتين والنظر إليهما عن قرب أكثر لمعرفة 
هل خرج المصريون في 30 يونيو على أرضية واحدة؟ وهل كان هناك ارتباط شرطي بين لحظة 30 يونيو ولحظة 3 يوليو بحيث لا يمكن لإحداهما إلا أن تأتي بالأخرى؟ أم أن اللحظتين - رغم الاتصال الظاهري بينهما- حدثان منفصلان يجمعهما شيء وتفصلهما أشياء؟ 


يرى كاتب هذا المقال أن فكرة الخروج نفسها بنيت على أرضية متباينة كل التباين. حيث يعز عليه أن يعترف أن الملايين خرجت بمفهوم مختلف عن خروج النشطاء والحركات الثورية التي شاركت في الثورة (وهو أمر له مدلوله الهام في طبيعة الثورة وفكرتها وأهدافها وصيرورتها).

كان خروج الملايين للشوارع في 30 يونيو استجابة لدعوة حركة تمرد التي كانت قد بدأت في جمع توقيعات للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة في مارس 2012 على خلفية فشل الرئيس محمد مرسي وجماعته في إدارة البلاد, وكان الخروج والمشاركة في الحدث لحركات مثل 6 إبريل وبعض الحركات الثورية الأخرى والكثير من النشطاء للمطالبة بالانتخابات المبكرة على خلفية عدم الوفاء بالالتزامات ونقض الوعود التي قطعها مرشح الإعادة محمد مرسي على نفسه في اجتماع الفيرمونت الشهير قبل إعلان النتيجة الرسمية للانتخابات من قبل اللجنة العليا. ومما له دلالته أن البعض ممن شارك في هذا الاجتماع قد شارك أيضا في الدعوة ل30 يونيو وطالب الرئيس محمد مرسي بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة  - وائل غنيم ودكتور عبدالجليل مصطفى مثالان -

   لم يكن كل من نزلوا إلى الشوارع إذن متفقين على أرضية واحدة للنزول, وإن اتفقوا على مطلب الانتخابات المبكرة. وفي اعتقادي أن اختلاف أرضية النزول يعني ضمنيا الاختلاف على طريقة إداراة الأزمة والرضا من عدمه على إقدام وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي على خلع الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو بانقلاب صريح. ويمكن التمييز هنا بين الكتلة الأكبر من الشعب والتي خرجت بالأساس رافضة بقاء الرئيس بأية وسيلة متاحة بعد الأزمات المتتالية في ظل حكمه؛ من انقطاع متصل للكهرباء إلى أزمة البنزين وغياب الأمن وغيرها من الأزمات, وبين الذين أرادوا رحيل مرسي عن كرسي الحكم بطريقة الانتخابات الرئاسية الديمقراطية المبكرة لعدم وفائه بالتزاماته وعدم احترامه للعقد الذي تم انتخابه بموجبه في خطوة الإعلان الدستوري المكمل الشهيرة.

وقد يحتج البعض بأن هذا التمايز بين الطرفين لم يكن واضحا جليا بعد انقلاب 3 يوليو, وأن جميع من شاركوا في 30 يونيو قد هللوا للحظة 3 يوليو. لكن هذا ليس صحيحا على إطلاقه..على الأقل بالنسبة لعدد وافر من النشطاء والمحسوبين على الثورة, بل أن خطوة نزول بعضهم ممن نزلوا في 30 يونيو إلى جانب من نزلوا للاعتصام في رابعة العدوية داحضة لهذا الزعم, واعتراف البعض الآخر -أحمد ماهر منسق 6 إبريل على حسابه الشخصي على تويتر مثالا- صراحة أن ما حدث انقلابا بعد مرور وقت ليس بطويل على الحدث أمر داحض أيضا. وإن كان يعاب على البعض منهم عدم الوضوح في رفض 3 يوليو وعدم التنديد بالممارسات الدموية التي مارسها عبدالفتاح السيسي ضد الرافضين للانقلاب صراحة, وفضل بعضهم الصمت تماما -وائل غنيم مثالا- وهو أمر يحسب بالتأكيد ضدهم.

جاءت إذن لحظة انقلاب 3 يوليو - وليس انقلاب 30 يونيو- ولم يكن هناك اتفاق واضح بين من نزلوا في 30 يونيو عليها, وإن كانت الأغلبية قد أيدتها بطبيعة الحال, فالأقلية رفضتها صمتا تارة ومقاطعة أخرى. وعودة سريعة لحجم التظاهرات في 30 يونيو ومقارنتها بمظاهرات تفويض ما زعم السيسي أنه محاربة للإرهاب تكفي للفصل بين الطرفين.

نأتي بعد ذلك لسؤال هام: هل كان يمكن تفادي انقلاب 3 يوليو؟ أم أنها كانت لحظة حتمية لا مفر منها؟


هنا أيضا يحلو لجماعة الإخوان وأنصارها تحميل من خرجوا في 30 يونيو المسؤولية الكاملة عن لحظة 3 يوليو, لأن الخروج - من وحهة نظر الجماعة- كان استدعاء صريحا للجيش للتخلص من الرئيس المنتخب. وهذه أيضا مغالطة مقصودة من الجماعة, فحتى الذين خرجوا وفي أذهانهم استدعاء الجيش, لم يكن لهم ولا للجيش مفر من القبول بخطوة الانتخابات المبكرة إن قرر الرئيس محمد مرسي إجرائها, لكن ما حدث كان استمرارا للهروب  من مسؤولية إنجاح التجربة الديمقراطية, ولو عبر آلية الانتخابات المبكرة - وهي آلية ديمقراطية بالمناسبة - مارسها حزب العدالة والتنمية التركي - الذي يحلو لجماعة الإخوان وأنصارها التشبه به - عندما احتدم الخلاف حول التعديلات الدستورية في 2008 التي أرادها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وحزبه ورفضتها المؤسسة العسكرية في تركيا لما فيها من انتقاص من دورها التاريخي في إدارة الدولة.

فضلت الجماعة الانقلاب العسكري على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يسقط فيها الرئيس محمد مرسي حتما, وراهنت على خطاب مظلومية بذريعة الانقلاب, ذلك الخطاب الذي طالما أجادت الجماعة استخدامه طوال تاريخ بدأ مع يوليو 1952 ولم ينته مع يناير 2011.

كان الرضوخ لمطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة إذن حلا سليما للخروج من الأزمة, وحلا عمليا ينقذ معه التجربة الديمقراطية الوليدة, لكن الاستجابة للمطلب كانت تعني عمليا الاعتراف من جماعة الإخوان بالفشل, وهو حقيقة تأبى الجماعة الاعتراف بها في كل بياناتها التالية للحدث وحتى اليوم. بل وتصر على تحميل كل من خرجوا - وهم ملايين - المسؤولية وحدهم عن فشل التجربة. هذا لا يعني بتاتا أن المحسوبين على الثورة من الذين خرجوا في 30 يونيو لم يكونوا من السذاجة بمكان لدرجة غابت معها حسابات الاستفادة المباشرة للثورة المضادة والدولة العميقة من حدث الخروج باعتبارهم الطرف الجاهز للعب الدور الأقوى في معادلة ما بعد ذهاب الإخوان.

ضحت جماعة الإخوان بالثورة وأهدافها طول الوقت بعد الحادي عشر من فبراير 2011 في سبيل تحقيق أهدافها التي طالما حلمت بها بمشروعها الباحث عن التمكين.  مثلما أنها فضلت التضحية بالتجربة الديمقراطية الوليدة واختارت الوصول لانقلاب يتجرعه معها كل من خرج ضدها في 30 يونيو من أجل الحفاظ على التنظيم وعدم الاعتراف الصريح بالفشل.
 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اكتب