الخميس، 20 فبراير، 2014

الاقتصاد - ذلك الطريق الذي يحكي فشل السياسة في مصر.





حكى لي صديق مقرب عن واقعة فساد كان طرفا فيها لمسؤول حكومي في مدينة صناعية. صديقي يعمل في مجال أنظمة السلامة وإطفاء الحرائق (Fire fighting) في إحدى الشركات الكبرى العاملة في مجال التكييفات في مصر.  المسؤول الذي هو موظف كبير في الدفاع المدني والذي هو رتبة عسكرية متقاعدة..وظيفته التفتيش على أنظمة إطفاء الحرائق في الشركات والمصانع التي تقع في محيط المنطقة المخول له رقابتها. المسؤول يصب جل اهتمامه على إيجاد ثغرات داخل نظم السلامة وإطفاء الحرائق ليس بهدف أن تصحح الشركات من أوضاعها وتحسن من أنظمتها, ولكن من أجل أن يسجل نقطة على الشركات كي تستجيب لضغوطه وتدفع له رشوة. هو لا يهتم كثيرا بالمتطلبات والمواصفات التي من المفترض أن توفرها الشركات لأنظمتها, حتى لو كانت الشركات ملتزمة بالحدود المعقولة للمواصفات. وما حدث مع صديقي أن شركته حرصت على المواصفات المطلوبة وصرفت مبلغا ماليا كبيرا لتحقيقها؛ فالمسألة بالنسبة للشركة مهمة وأساسية لسمعتها ومبيعاتها في السوق المحلي والدولي. إلى جانب أهميتها لتحقيق معدل أمان للعاملين بالشركة. لكن الموظف لم تشغله كل هذه التفاهات -من وجهة نظره طبعا- في البداية بالغ في المواصفات المطلوبة فصرفت الشركة مبلغا إضافيا وحققتها. لكنه استمر في تعنته, وفي النهاية هدد الشركة صراحة إن لم تصرف أمورها -بالمعنى الدارج- فسوف ينالها منه ما ينالها!

  وما حكاه لي صديقي يتماهى مع تجربتي الشخصية في العمل بمجال البتروكيماويات في مصر في مصنعين لإنتاج البي في سي والبي إي تي (
   ( PVC & PET  ببورسعيد والسخنة. المصانع التي عملت فيها ملكية لشركات هندية أتت إلى مصر للاستثمار في مجال البتروكيماويات وهي تعلم علم اليقين أن مناخ الاستثمار في مصر سييء. وأنها كي تدخل إلى السوق المصري تحتاج لدفع رشا ومبالغ مالية كبيرة لمسؤولين في الدولة, أو على الأقل عليها أن تبحث عن رجال أعمال متنفذين ليشاركوها بحصة مقابل إسباغ الحماية عليها, وتسهيل الحصول على الخدمات والتصاريح المطلوبة.

فما الذي تجنيه تلك الشركات من هذا المناخ السيىء؟ وما الذي يدفعها للمجيىء للسوق المصري والاستثمار فيه؟

في الواقع هذه الشركات والمؤسسات تدرك جيدا ما هي مقدمة عليه, وتعرف أن مناخ الاستثمار غير مستقر, وأن المنظومة القانونية التي تحكم علاقتها بالدولة مهترئة, وأنها -أي المنظومة القانونية- بأي معيار عالمي لا تحقق استقرارا لاستثماراتها. لكنها مع ذلك تخاطر وتأتي إلى مصر..لماذا؟ لأن لديها فرصة كبيرة لتحقيق أرباح أكثر من ذهابها لسوق مستقر ومفتوح ومضمون. حيث تعرف تلك الشركات أن الدولة ستغض الطرف تماما عن ممارساتها المجحفة في حق العمال, وأنها ستطلق يديها كاملة في تحديد أجورهم ومستحقاتهم. بل ويصل الأمر إلى إطلاق يديها في التخلص من العناصر المشاغبة ومساعدتها أيضا من خلال جهاز أمن الدولة -العتيد في هذا المجال- الذي يتكفل باعتقال أي عنصر نشط قد يثير المتاعب ويحرض زملائه على المطالبة بحقوقهم وربما الإضراب عن العمل أو الاعتصام. تدفع تلك الشركات مبالغ مالية كمرتبات أقل ما يقال عنها أنها زهيدة, تصل إلى أقل من ألفي دولار سنويا للمهندس أو الكيميائي وأقل من 1000 دولار سنويا للعامل المدرب. وحدث أن قالها مسؤول هندي في مصنع بورسعيد الذي عملت فيه عندما أضربنا عن العمل في أعقاب الثورة مباشرة للمطالبة برفع أجورنا..المسؤول قال لي صراحة: ما الذي يجعلنا نرفع مرتباتكم؟ لقد جئنا للسوق المصري لأن أسعاركم رخيصة, ولو كان لدينا استعداد لدفع أجور كبيرة لذهبنا إلى أسواق أفضل للاستثمار في آسيا أو الأمريكتين.

 في الواقع هذه هي العقلية التي تأتي إلى مصر للاستثمار: عقلية هنود أو صينيين يستثمرون في صناعات رديئة
Dirty industries  ويدفعون مرتبات هزيلة, هذا طبعا إلى جانب الحصول على مصادر كهرباء وماء وطاقة بأسعار زهيدة مدعومة من الدولة. وهم يعلمون أنهم في المقابل مطالبون بدفع رشا وعمولات لكبار المسؤولين, وصغارهم أيضا من الذين يعملون في مكاتب العمل ليغضوا الطرف عن شكاوى العمال من تعنت الشركات واغتصابها لحقوقهم. وعندما انتفض العمال للمطالبة بحقوقهم بعد الثورة وفي غيبة جهاز أمن الدولة وتحت تأثير جرعة الشجاعة المستمدة من الثورة -وهو أمر حدث في جل الشركات الاستثمارية في مصر بالمناسبة- سارعت معظم هذه الشركات ولوحت بأنها ستصفي أعمالها واستثماراتها وترحل من مصر. وبعضها قام بذلك فعلا, ومعه بعض الحق..فما الذي يجبره على البقاء ودفع مرتبات كبيرة في هذا المناخ الرديء؟ ولماذا يخاطر بأمواله في مقابل تدني فرص الربح مع إمكانية ضياع الأموال وذهابها أدراج الرياح؟


كل ما سبق ينقلنا مباشرة إلى الواقع السياسي المصري المتردي. وفي الحقيقة هذه هي معضلة كل صانع قرار في السياسة المصرية سابقا ولاحقا. فإما أن يحافظ على الهياكل القديمة للمؤسسات الحكومية, ويحافظ على شبكات المصالح الفاسدة التي تفتح فمها دائما مطالبة بحصتها, ويوفر مناخ استثمار خطر ولكنه مربح بالضغط على العمال والتغاضى عن حقوقهم وتحميلهم فارق الأموال التي تذهب لكبار المسؤولين والمتنفذين وشبكات المصالح المحيطة بهم. وهو أمر فعله مبارك طويلا في حدود ثم جاء ابنه جمال ومجموعته فمدوا الخط على استقامته واستطاعوا جلب استثمارات بمعدلات جيدة حققت معدلا معقولا للنمو كان جمال يتباهى به, لكنه في المقابل أسخط العمال وأسرهم وأوصلهم للنقطة الحرجة التي انفجروا فيها مع أول شرارة انفجار في ثورة 25 يناير, حيث كان النمو يذهب لجيوب بعينها ولأشخاص بعينهم ولا يحقق معدلا معقولا للتنمية في المقابل
Growth without development. أو أن يلجأ -صانع القرار السياسي- لتفكيك تلك الشبكات الفاسدة ويعيد هيكلة المؤسسات القديمة, مع الدفع باتجاه خلق منظومة قانونية سليمة لا استثناءات أو تجاوزات فيها لخلق مناخ جيد للاستثمار يشجع ويجذب رؤوس الأموال .


لا يبدو واضحا أن تغييرا ما طرأ على الاستراتيجية المباركية لإدارة هذه الملفات. وكل ما نراه أو يتم تسريبه عن اتجاهات صانع القرار السياسي في مثل هكذا أمور يوحي أن الاستراتيجية ستستمر, فالخطأ كان في التطبيق وليست الدودة في أصل الشجرة كما يقول المثل. وأن الرؤية منصبة على تحقيق استقرار -ولو وهمي- بالعصا الغليظة والقبضة الأمنية المحكمة لتشجيع الاستثمارات على العودة. وأن فكرة تفكيك الهياكل الفاسدة المهترئة أو عمل منظومة قانونية سليمة لا تخطر على البال من قريب أو بعيد, بل إن السيطرة والسطوة المطلقة على مؤسسة القضاء -كركن في المنظومة القانونية- وصلت لمرحلة لم تحدث ولا حتى في عهد مبارك. وربما كان الاتجاه أيضا يصب في روافد أشد خطرا مثل رفع الدعم نهائيا وهو ما يعني أن اللعب بالنار مستمر وأن ما ستفعله النخبة الحاكمة أنها ستدفع الشعب للحظة أشد حرجا من سابقتها قد تؤول في النهاية لخروج كاسح رهيب يفوق ما حدث في ثورة يناير وربما يتخطى حتى أسوأ الكوابيس التي يتوقعها البعض من أنصار نظرية ثورة الجياع.     

هناك تعليق واحد:

  1. الواقع يكون أحيانا أغرب من كل تصور!

    حفظ الله مصر وأهل مصر

    ردحذف

اكتب